السيد محمد تقي المدرسي

122

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

الحجاج الذي يسفك الدم الحرام ، وأخذ المال الحرام ، وترك الصلاة ، وفَعَل وفَعَل ؟ . . . وذكروا من فِعْل الحجاج . . . ؟ فقال الحسن : أرى أن لا تقاتلوه ، فإنها إن تكن عقوبة من الله فما أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم ، وإن يكن بلا فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين « 1 » . وكان الحسن البصري ينهى عن الخروج على الحجاج ويأمر بالكف عن الثورة ضده ، ويدعو إلى مقابلة مظالم الحجاج بالسكينة والتضرع ، وهو يفسر موقفه في موضع آخر ، وذلك أنه قيل للحسن البصري : ألا تدخل على الأمراء ، فتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر ؟ فقال الحسن : ليس للمؤمن أن يُذل نفسه ، إن سيوفهم لتسبق ألسنتنا ، إذا تكلمنا قالوا بسيوفهم هكذا ، ووصف لنا بيده ضرباً « 2 » . ولما قام يزيد بن المهلّب في سنة ( 102 ه - ) بثورته على الأمويين ، كان الحسن البصري يثبط الناس عن يزيد بن المهلّب ، ويقول للذين يريدون الخروج معه : أيها الناس ! ألزموا رجالكم ، وكفوا أيديكم واتقوا الله مولاكم ، ولا يقتل بعضكم بعضاً على دنيا زائلة وطمع فيها يسير ليس لأهلها بباق وليس الله عنهم فيما اكتسبوا براض ، إنه لم تكن فتنة إلا كان أكثر أهلها الخطباء والشعراء والسفهاء وأهل التيه والخيلاء ؛ وليس يسلم منها إلا المجهول الخفي والمعروف التقي . فمن كان منكم خفياً فليلزم الحق ، وليحبس نفسه شرفاً ، وكفى له به من الدنيا خلفاً ، ومن كان منكم معروفاً شريفاً فترك ما يتنافس فيه نظراؤه من الدنيا إرادة الله بذلك ، فواهاً لهذا ما أسعده وأرشده وأعظم أجره وأهدى سبيله ! - فهذا غداً - يعني يوم القيامة القرير عيناً ، الكريم عند الله مآباً « 3 » .

--> ( 1 ) ( ) تاريخ التصوف الإسلامي ، ص 154 عن ( طبقات ) ابن سعد ، ج 7 ، ص 163 - 164 . بيروت سنة 1957 . ( 2 ) ( ) المصدر عن الكتاب نفسه ، ج 7 ، ص 176 . ( 3 ) ( ) تاريخ التصوف الإسلامي ، ص 154 ، نقلًا عن تاريخ الطبري ، ج 2 ، ص 140 - 141 .